ابن قيم الجوزية

355

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

بخير ، ولا يقضي لك حاجة . واللّه سبحانه حي قادر متكلم ، يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم . وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد . فإن أمره بالعدل - وهو الحق - يتضمن أنه سبحانه عالم به ، معلّم له ، راض به ، آمر لعباده به ، محب لأهله . لا يأمر بسواه ، بل ينزه عن ضده ، الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل . بل أمره وشرعه عدل كله . وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه ، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور . وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني ، والأمر القدري الكوني . وكلاهما عدل ، لا جور فيه بوجه ما ، كما في الحديث الصحيح « اللهم إني عبدك ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك » فقضاؤه : هو أمره الكوني . فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فلا يأمر إلا بالحق والعدل ، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل . وإن كان في المقضي المقدّر ما هو جور وظلم . فالقضاء غير المقضي ، والقدر غير المقدر . ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم . وهذا نظير قول رسوله هود 11 : 56 إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . فقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها نظير قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ناصيتي بيدك » وقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ نظير قوله « عدل في قضاؤك » فالأول ملكه . والثاني حمده . وهو سبحانه له الملك . وله الحمد . وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ، ولا يأمر إلا بالعدل ، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة ، وحكمة وعدل ، فهو على الحق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به ، ولا يأخذه بغير ذنبه ، ولا ينقصه من حسناته شيئا . ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا ، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، ولا